المزج بين بحور الشعر عند محمد عناني – مقدمة

هذا المقال مدخل  لقضية جديدة في علم العروض، وهي المزج بين البحور المختلفة في القصيدة الواحدة، تحديداً عند أحد كبار المترجمين في مصر محمد عناني، معتمداً في ذلك على الأمثلة والملحوظات التي أبداها في كتابه “الترجمة الأدبية بين النظرية والتطبيق”.

معروف أن النظم العربي يسير على أحد البحور التقليدية، وعلى مدار العصور تحرر الشاعر من وحدة القافية مثل الموشحات، ثم وحدة عدد التفعيلات مثل الشعر الحر، لكن القاعدة الصارمة التي ظلت مستمرة حتى العصر الحديث هي وحدة الوزن، فلا يصح أن يدخل الشاعر تفعيلة دخيلة على القصيدة. وإن كان التشدد في هذه القاعدة بدء ينكسر على استحياء، فصارت تفعيلة فعولن الخاصة ببحر المتقارب تدخل على بحر المتدارك وتفعيلته فاعلن، وكلتا التفعيلتان من دائرة واحدة.

أما عناني، وهو بلا شك أغزر مترجم عربي ترجم الشعر على الإطلاق، فيريد أن يفتح الباب أكثر من هذا، فها هو يقول:

“وإن كنت قد عرضت لاحتمالات المتقارب والخبب وملت إلى تفضيل هذا على ذلك أحيانا، فأنا أتصور أن أفضل ما فادني في خبرتي على مدى سنوات العمر كله هو بحر الرجز وتنويعاته — وأنا لا أقصد فقط ما يدخل عليه من الزحافات في العروض والحشو فقط، ولكن أيضاً ما يتحول إليه في خضم الممارسة الفعلية في المسرح — إذ يشتبك مع زميليه في الدائرة الخليلية وهما الرمل والهزج، وكثيراً ما كنت أتصور أن التحويل المقتسر لأحدهما إلى الآخر بالعضادات (أي الزحافات والعلل) المعروفة لن يكون له لزوم إذا أبحنا لأنفسنا في الشعر العربي ما أباحه أصحاب اللغات الأخرى من مزج للبحور، خصوصاً إذا كان البحران من دائرة واحدة أي يشتركان في النغم الأساسي، أو إذا كان الفارق ظاهرياً مثل تحول الكامل إلى رجز بإسكان الثاني المتحرك في تفعيلة متفاعلن”

فهو هنا يطرح نوعين من المزج

أ. مزج البحور ذات الدائرة الواحدة مثل الهزج والرمل والرجز

(ب.  مزج البحور ذات التفعيلات المتقاربة مثل الرجز والكامل (أو الهزج والوافر؟

والأمثلة الواردة في الكتاب حافلة بما يدعو إليه، أي أنها فعلا فكرة وليدة الممارسة العملية لا الطرح النظري المجرد.

فهذان السطران من مسرحية الليلة الثانية عشرة لشكسبير

O, it came o’er my ear like the sweet sound

That breathes upon a bank of violets

ترجما إلى:

آه لقد مر على أذني كصوت ذي أريج يتنفس

وتقطيعه

مستفعلن مستعلن متفاعلن مستفعلن متفاعلن

أي أن البيت رجز بشكله الصحيح والمزاحف (في باقي الأبيات تتكرر متفعلن أيضاً(، علاوة على تفعيلة متفاعلن التي كان الكامل ينفرد بها.

وهذا السطر من الملك لير

Sir, in good faith, in sincere verity

ترجم إلى:

ألا إنني مولاي بالحق أنطقُ           وبالصدق والإخلاص لفظي أخلقُ

وتقطيعه

فعولن فعولن فاعلن فاعلن فعو         فعولن فعولن فاعلن فاعلُ فعو

فهذا البيت من المتقارب لأن الضرب والعروض فعو فهو الأصل إذن، امتزجت به تفعيلة المتدارك الصحيحة فاعلن والمزاحفة فاعلُ.

 

وهذا البيت لمارفل

To a green thought in a green shade

ترجم إلى

لفكرة خضراء حيث تمتد الظلال الخضر

وتقطيعه

متفعلن مستفعلن مفاعيلن مفاعيلان

فيمزج بين الرجز والهزج، والتشابه بينهما يماثل التشابه بين المتدارك والمتقارب، فتفعيلة مستفعلن /ه/ه//ه هي مقلوب تفعيلة مفاعيلن //ه/ه/ه تماما مثلما تفعيلة فاعلن /ه//ه هي مقلوب فعولن //ه/ه.

ثم يحدثنا عناني عن تجربته في ترجمة شكبير، وقد ترجم له  18 مسرحية إضافة إلى السونيتات الكاملة التي تناهز المئة وخمسين، فيقول “وقد أتيحت لكاتب هذه السطور تجربة هذا المزج في ترجمات شكسبير من قبل، وكان الرضا الذي صادفه المزج مصحوباً بتجهم العروضيين الذين لا صبر لهم على مزج البحور. ولا شك أن بعضهم كان محقًا، فالإيقاع العربي الذي تستريح الأذن إلى رتابته يسبب قلقا إذا “اختلف” (ولا أقول انكسر) فالأذن التي تتوقع الانتظام الكامل لن تسيغ تغيير النغمة، ولكننا خصوصاً في الشعر الدرامي لا نجد مفرّا من ذلك، ولذلك فالحل الذي هدتني خبرتي إليه بعد طول معاناة هو المزج بين البحور الصافية، وحبذا لو كان الرجز هو الأصل”.

والخلاصة أنه يعول في الترجمة من البحور الصافية على الخبب (الذي اكتشفه الدكتور أحمد مستجير وشاع شيوعاً هائلا في أشعار المحدثين) ومن البحور الممزوجة على (المتدارك + المتقارب) و (الرجز + الكامل)  و (الرجز + الكامل + الهزج + الرمل).

وبعد، فإن هذا الموضوع جدير بالبحث، بالذات لمن يرغبون في ترجمة الشعر فهو يفتح أمامهم أبواباً في النظم كانت مغلقة ورخصتهم في ذلك آتية من شيخ المترجمين بنفسه. لكن هذه ملاحظات سريعة ينبغي بحثها بتأنٍ لمعرفة حدودها وضوابطها ومدى شيوعها في الترجمات العربية على وجه العموم وترجمات عناني المسرحية والشعرية على وجه الخصوص، لأنه قد أشار أن المزج كان يضطر إليه اضطراراً لمصاعب كان يواجهها في الشعر المسرحي. فهل استعمل الأسلوب نفسه في ترجماته الشعرية؟ (وله كتاب ترجم فيه لقصائد 40 شاعراً إنجليزياً عن مصر فهذه مادة خصبة للغاية) ولعلّي أعود إلى هذا المبحث في وقت قريب إن شاء الله تعالى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s